أبو حامد الغزالي

142

تهافت الفلاسفة

نعم لا يجوز أن يكون المبدأ الأول هو السماوات ، لأنها عدد ، ودليل التوحيد يمنعه ، فيعرف بطلانه بالنظر في صفة المبدأ ، ولا يجوز أن يقال : إنه سماء واحد ، أو جسم واحد ، أو شمس واحدة ، أو غيرها ، لأنه جسم ، والجسم مركب من الصورة والهيولى ، والمبدأ الأول لا يجوز أن يكون مركبا ، وذلك يعرف بنظر ثان . والمقصود أن موجودا ، لا علة لوجوده ، ثابت بالضرورة والاتفاق - وإنما الخلاف في الصفات - وهو الذي نعنيه بالمبدأ الأول . والجواب من وجهين : أحدهما أنه يلزم على مساق مذهبكم ، أن تكون أجسام العالم قديمة كذلك لا علة لها ، وقولكم إن بطلان ذلك يعلم بنظر ثان فسيبطل ذلك عليكم في مسألة التوحيد ، وفي نفى الصفات ، بعد هذه المسألة . الثاني وهو الخاص بهذه المسألة هو أن يقال : ثبت تقديرا أن هذه الموجودات لها علة ، ولعلتها علة ، ولعلة العلة علة كذلك ، وهكذا إلى غير نهاية ، وقولكم : إنه يستحيل إثبات علل لا نهاية لها ، لا يستقيم منكم ، فإنا نقول : عرفتم ذلك ضرورة بغير وسط أو عرفتموه بوسط ؟ ! ، ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، وكل مسلك ذكرتموه في النظر ، بطل عليكم بتجويز حوادث لا أول لها ، وإذا جاز أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له ، فلم « 1 » يبعد أن يكون بعضها علة للبعض ، وينتهى من الطرف الأخير إلى معلول لا معلول له ، ولا ينتهى من الجانب الآخر إلى علة لا علة لها ؟ ! ، كما أن الزمان السابق ، له آخر وهو الآن الراهن ، ولا أول له . فإن زعمتم أن الحوادث الماضية ، ليست موجودة معا في الحال ، ولا في بعض الأحول ، والمعدوم لا يوصف بالتناهي ، وعدم التناهي ؛ فيلزمكم في النفوس البشرية المفارقة للأبدان ، فإنها لا تفنى عندكم ، والموجود المفارق للبدن

--> ( 1 ) يمكن اعتبارها نافية ويمكن اعتبارها استفهامية .